محمد بيومي مهران

58

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

فلو كانت العقيدة اليهودية صادقة مع نفسها ، لما انحط فلك نوح على جبل « أراراط » ، وإنما على جبل صهيون ، الذي انعقدت من بعد نصوص التوراة على تجسيده في صورة من تفرد قدسي ، من حول معبد سليمان ، مما حدا بالحاخامات أن يدونوا ما دونوا - وسبق الإشارة إليه - من أنها منطقة متسامقة قصر عن أن يغمرها الطوفان ، في تحد سافر لما تقرره النصوص القديمة « 1 » من أن قد « تعاظمت المياه كثيرا جدا على الأرض ، فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت السماء » ، ومن هنا ، فهو إذن صهيون ، وليس أراراط ، الجبل الذي انحط عليه فلك نوح ، إلا أن نكون أمام حقيقة تاريخية - فهو « الجودي » استوت عليه سفينة نوح ، إذ « غِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ » « 2 » ، ولكن من أدرانا أن « لجودي » كان قمة من جبال أراراط ، حتى نسلم أننا أمام حقيقة تاريخية ، إنما هو افتراض لا يستقيم مع المنطق - نستخلصه من الدراسات المقارنة - الذي خضعت له في جوهرها أساطير الأولين - بل وحتى تحبيرات الحاخامات ، بعد ذلك بقرون - حريصة كل الحرص على قدسية المكان ، من حيث مركزية تكوين ، وبالضرورة ، من حيث إعادة خلق ، أو إعادة توالد وتكاثر من صلب ذرية مصطفاة ، وقد أبيدت أسباب الحياة جميعا « 3 » . إننا بصدد أسطورة أجمع النقاد على أنها استعيرت من أصول سابقة - سومرية أو بابلية فيما قيل - استنادا إلى النصوص التي تمّ الكشف عنها ، ولكن ليس حتما وبالضرورة ، فقد كانت شائعة ذائعة فيما بين الشعوب القديمة ، فمن يدرينا أن لم تستق عناصرها عند العبريين من روايات أخرى ، ضاعت أصولها فيما ضاع ، أو ربما هي بعد في طي الغيب ، لم تتهيأ ظروف الكشف عنها ، كما كان الحال بالنسبة للرواية السومرية قبل عام 1914 م « 4 » . ولعل الذي يدفعنا إلى هذا التساؤل ، إنما هو كلمة « أراراط » استوقفتنا فنحار

--> ( 1 ) تكوين 7 : 19 . ( 2 ) سورة هود آية : 44 . ( 3 ) حسين ذو الفقار : المرجع السابق ص 15 . ( 4 ) نفس المرجع السابق ص 15 ، وكذلك S . H . Hooke , Middle Eastern Mythology , London , 16 . P ، 1963 .